مجد الدين ابن الأثير

370

المختار من مناقب الأخيار

فلمّا وصلنا المدينة اعتلّ الشابّ علّة شديدة وانفرد عنّا ، فصرت إليه مع جماعة من أصحابنا نتعرّف خبره ، فلما رأينا شدّة ما به ، قال بعضهم : لو أحضرنا له طبيبا ينظر إليه ، ويصف له علّته ، فلعلّه يكون عنده دواء . فسمع الشابّ مقالته ، وتبسّم من ذلك ، فقال : يا مشايخي وأحبّائي ، ما أقبح المخالفة بعد الموافقة ! من أراد اللّه له حالا وأراد هو حالا غيره أليس قد خالف اللّه عزّ وجلّ في إرادته ؟ قال يوسف : فخجلنا من كلامه ، فنظر إلينا ، وقال : لو عرفتم داء القتيل من داء السّلوان لطلبتم لداء القتيل دواء . إنّ الأمراض والأسقام فيها تطهير وتكفير وتذكير ، وداء القتيل مشاهدة النّفس ، وموافقة « 1 » الهوى ، ثم أنشأ يقول : بيد اللّه دوائي * وبعلم اللّه دائي إنّما أظلم نفسي * باتّباعي لهوائي كلّما داويت دائي * غلب الداء دوائي قال : فتركناه وقمنا من عنده « 2 » . * * * وقال أبو بكر المصري : خرجت مع أبي الحسن النّصيبي من الجحفة « 3 » نريد الحجاز إلى مكّة ، فلمّا صرنا في بعض الطّريق قعدنا تحت شجرة ، فإذا تحت الشجرة بدرة « 4 » مختومة موضوعة ، فقال : أيش هذا ؟ قلنا : بدرة

--> ( 1 ) في ( ب ) : « وموافقته » . ( 2 ) روض الرياحين 424 ( الحكاية 394 ) . ( 3 ) الجحفة : قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل . وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمرّوا على المدينة ، فإن مرّوا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة . معجم البلدان . ( 4 ) البدرة : كيس فيه ( 1000 ) أو ( 7000 ) أو ( 10000 ) دينار ، والبدرة جلد السّخلة إذا فطمت وسمّيت البدرة به . متن اللغة ( بدر ) .